السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
172
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
إذا هاجم العدو بلاد الإسلام ، وفرض كفاية إذا كانوا في بلادهم وتحدوكم قبل الوصول إليكم ، وفي هذه الصورة إذا قام به البعض من المسلمين سقط الإثم على الباقين ، أما في الصورة الأولى فكلهم آثمون ، ومسنون في كل وقت ، ومن السنة أن نبدأهم به . أخرج أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا . وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم الفتح : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا . وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية 190 المارة أولاد وجه لقول من قال أن المخاطب بهذه الآية هم أصحاب محمد الموجودون في زمانه فقط ، لأن الخطاب فيها عام لا يقيد بهم ، إذ لا مخصص لذلك ، ولم يقصد به أناس دون آخرين ولا زمان ومكان لأن سياق الآية يدل على التعميم وهي مؤيدة بالأحاديث الصحيحة فيدخل في خطابها كل الأمة إلى يوم القيامة . وما قيل إنها منسوخة بآية التوبة 122 التي مطلعها ( ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) إلخ لا وجه له أيضا ، لأن هذه الآية خاصة مقيدة نافية وجوب الجهاد على العموم والتي نحن في صددها عامة مطلقة ، وقد ذكرنا غير مرة بأن المقيد مخصص لا ناسخ ، وأن المقيد دائما يحمل على المطلق ، والخاص على العام . وكذلك لا يتجه القول بأنها ناسخة للعفو عن المشركين ، إذ لم تتعرض لشيء من ذلك ، وإنما هي عبارة عن إخبار اللّه تعالى عباده بأن الجهاد الذي أمرناكم به مفروض عليكم ، لأنه مكتوب في أزله كذلك ، لئلا يقوهم الغير بأنه مندوب أو مباح بدليل قول ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ ) إلخ ، تأمل قوله تعالى « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ » يا سيد الرسل لهؤلاء السائلين « قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ » إثمه ، عظيم جرمه ، وهذا على طريق إرخاء العنان بالاعتراف بعظم القتال فيه ، ولكن الذي ارتكبوه فيه أكبر إثما وأعظم وزرا من القتال فيه ، وهو المبين بقوله تعالى « وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » ومنع المسلمين من سلوكه ومن التمسك بدين الإسلام الحنيف وتفرعاته « وَكُفْرٌ بِهِ » وجحود بالإله الكبير الذي شرعه لعباده « وَ » صدّ المؤمنين عن دخول « الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » ومنعهم من الطواف به « وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ » وإجلاؤهم عنه